عبد الوهاب الشعراني
103
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
له ، فافهم ، وبالجملة فمن فهم قوله - تعالى - : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 1 » ، نزّه الحقّ - جلّ وعلا - عن صفات خلقه ، وعن كلّ ما يخطر بالبال ، والحمد للّه ربّ العالمين . [ توهّم خلق الوجود من عدم في علم الحقّ ] وممّا أجبت به من يتوهّم أنّ اللّه - تعالى - خلق الوجود من عدم في علمه أخذا من قوله - تعالى - : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً « 2 » ، ومن قول جمهور أئمّة الكلام : إنّ المعدوم ليس بشيء ، ومن قولهم : أوجد الوجود من عدم ، وهذا يؤدّي إلى نسبة الجهل إلى جناب الحقّ - جلّ وعلا - بالعالم قبل إيجاده ، والجواب : أنّ العدم عدمان « 3 » : عدم محض ، وعدم إضافيّ ، فالعدم المحض ليس فيه ثبوت عين حتّى يتعلّق بها علم اللّه تعالى ، وأمّا العدم الإضافيّ فهو الذي له عين ثابتة في علم اللّه تعالى ، فيجب حمل الآية وكلام المتكلّمين على هذا الثاني ، ويكون المراد بقول الحقّ : وَلَمْ تَكُ شَيْئاً « 4 » ، وبقول المتكلّمين : إنّ المعدوم ليس بشيء ، في علم الخلق لا في علم اللّه « 5 » ، فإنّه لا يعزب عن علم اللّه - تعالى - شيء ، قد قال - تعالى - : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 ) « 6 » ، ولا يقال إنّ القدرة الإلهيّة تتعلّق بلا شيء ممّا ليس ثابتا في العلم الإلهيّ ، فافهم ، فإنّ هذه مسألة « 7 » زلّت فيها الفلاسفة ، فقالوا بقدم « 8 » العالم من حيث إنّ العالم هو معلوم العلم القديم ، والحقّ أنّ العالم قديم في العلم ، حادث في الظهور ، أي إلى عالم الشّهادة ، كما بسطنا الكلام على ذلك في مؤلّف مستقلّ « 9 » ، والحمد للّه ربّ العالمين .
--> - الصلاة ( الباب 41 / 207 ) ، شرح صحيح مسلم ، 4 / 443 ، والنسائي في السنن ، باب التطبيق ، 2 / 190 . ( 1 ) ( الشورى ، الآية 11 ) . ( 2 ) ( مريم ، الآية 9 ) . ( 3 ) " ب " : العبارة : " فعلم أن العدم عدمان " . ( 4 ) ( مريم ، الآية 9 ) . ( 5 ) " ب " : قوله : " في علم الخلق " ساقط . ( 6 ) ( الزمر ، الآية 62 ) . ( 7 ) " ك " : " هذه المسألة " . ( 8 ) " ك " : " بعدم " ، وهو تصحيف مخل بالمعنى . ( 9 ) انظر : الشعراني ، اليواقيت والجواهر ، المبحث الحادي عشر : " في وجوب اعتقاد أنه تعالى علم الأشياء قبل وجودها في عالم الشهادة ، ثم أوجدها على حد ما علمها " ، 1 / 132 .